يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

511

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أبيت أن تصدقني ، قال سعيد : بل لم أحب أن أكذبك ، قال الحجاج : دع عنك هذا كله ، أخبرني ما لك لم تضحك قط ؟ قال : لم أر شيئا يعجبني فكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار ، ويوم القيامة حسابه ، وهو يصبح ويمسي وقد وصفت له النار ؟ قال الحجاج : فأنا أضحك ، قال سعيد : ليست القلوب كلها بالسواء ، قال الحجاج : ما رأيت من اللهو شيئا ؟ قال : لا أعلمه . فدعا الحجاج بالعود والناي ، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد عند ذلك ، فقال الحجاج : وما يبكيك ؟ قال : ذكرتني يا حجاج أمرا عظيما ، واللّه لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا زلت حزينا لما رأيت ، قال الحجاج : وما كنت رأيت هذا اللهو ؟ قال سعيد : بل هذا واللّه الحزن يا حجاج ، أما هذه النفخة فقد ذكرتني النفخ في الصور ، وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك يوم القيامة ، وأما هذا العود فنحت من عود قطع بغير حق ، قال الحجاج : أنا قاتلك ، قال سعيد : فرغ من سبب موتي ، قال الحجاج : أنا أحب إلى اللّه عز وجل منك ، قال سعيد : اللّه أعلم بالغيب منك ، قال الحجاج : كيف ترى ما يجمع لأمير المؤمنين ؟ قال : لم أر منه شيئا . فدعا الحجاج بالذهب والفضة والياقوت ، فوضع بين يديه ، فقال : هذا لأمير المؤمنين ، كيف ترى يا سعيد ؟ . قال : إن تحملت له يا حجاج أن تشتري له بها الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة فهو صالح ، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت ، ولا تنفع الأموال يوم القيامة إلا ما طاب منها ، قال الحجاج : فنحن نرى جميعها طيبا ، قال : برأيك جمعته ، قال : أتحب أنه لك ؟ قال : لا أحب ما لا يحبه اللّه ، قال الحجاج : ويلك يا سعيد ، قال : الويل يا حجاج لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار ، قال : اذهبوا به فاقتلوه ، قال : أشهدك يا حجاج أنه لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، أستحفظكهن حتى ألقاك ، فلما أدبر به ضحك ، قال : ما يضحكك يا سعيد ؟ قال : عجبت من جراءتك على اللّه وحلم اللّه عليك ، قال : اضربوا عنقه ، قال : حتى أصلي ركعتين . فاستقبل القبلة وهو يقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، فقال الحجاج : اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى ، فصرف عن القبلة ، فقال سعيد : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، فصلى سعيد ثم قال : اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي ولا تبقه بعدي واجعلني آخر قتيل يقتله . قال : فضربت عنقه ، فما قضى حتى خولط الحجاج وجعل يصيح : قيودنا قيودنا ، يعني القيود التي كانت في رجلي سعيد بن جبير ، متى كان الحجاج يسأل عن قيود أو يعنى بها . ويروى أنه قال : اختر أي قتلة شئت ، فقال له ابن جبير : بل اختر أنت لنفسك ، فإن القصاص أمامك . انتهى كلامه رحمه اللّه .